حوار مع مادغيس ؤمادي
حول العمل الثقافي الأمازيغي، التوثيق، النشر، وبناء المشاريع المعرفية

كان اللقاء هادئًا…
في زاوية منزل دافئة، تتناثر الكتب على الطاولة كما لو أنها خرائط طريق، وحاسوب مفتوح على أكثر من نافذة: موقع، مخطوطة، تصميم غلاف، ومراسلات لا تنتهي. يعمل بهدوء، بتركيز يشبه صبر الباحثين القدماء… لكن بأدوات العصر.
وبين رشفة قهوة وحديثٍ عابر عن ضغط العمل، بدأ الحوار.
بداية، كيف تعرّفون أنفسكم اليوم للقارئ الذي يعرف اسمكم، لكنه قد لا يعرف كل مسارات اشتغالكم؟
ابتسم قليلًا، ثم قال:
أعرّف نفسي أساسًا باعتباري واحدًا من المنخرطين في الفعل الثقافي الأمازيغي في ليبيا. شخص حاول أن يُحوّل الاهتمام بالهوية واللغة من شعور داخلي إلى عمل يومي، ومن فكرة عامة إلى مشاريع ملموسة.
اشتغلت لسنوات على اللغة والثقافة والتوثيق والنشر… مرة عبر مبادرات مستقلة، ومرة من خلال العمل المؤسسي داخل تاوالت والآن من خلال المركز الليبي للدراسات الأمازيغية.
نحن لا نؤمن بالعمل النظري فقط. لذلك حاولنا، من خلال المركز، أن نُخرج الفكرة إلى أرض الواقع.
أنشأنا الموقع الرسمي ليكون وِجهة شاملة لكل ما يتصل بالشأن الأمازيغي:
منصة تجمع المعرفة، المواد العلمية، المحتوى التعليمي، المراجع، وتسهل الوصول إلى المعلومة.
اشتغلنا على إعداد دروس تعليمية لغير الناطقين باللغة الأمازيغية، إلى جانب دروس تعريفية بكل التنوعات الأمازيغية في ليبيا.
وحرصنا أن يكون هذا العمل مكمّلًا للمناهج التعليمية باللغة المعيار، لا منافسًا لها.
كما عملنا على المعجم المشترك بالتوازي مع المعاجم الجهوية، لأننا نؤمن أن الوحدة اللغوية لا تُبنى بإلغاء التنوع… بل بتنظيمه، توثيقه، وربطه ضمن إطار علمي جامع.

أنتم تتحركون بين العمل الفردي والعمل المؤسسي. ماذا يعني لكم الاشتغال من داخل المركز؟
نقل حاسوبه قليلًا، وفتح ملفًا آخر… ثم قال:
العمل من داخل المركز يعني البناء المؤسسي والتراكم المنهجي.
اشتغلنا على ملفات متعددة في وقت واحد.
منها العمل الطوبونيمي: توثيق الأسماء الجغرافية.
هذا ليس عملًا لغويًا فقط، بل حفظٌ للذاكرة التاريخية والهوية المكانية.
كما عملنا على:
-
تجهيز مناهج المرحلة الثانوية
-
مراجعة المناهج السابقة وتحديثها
-
تطوير المحتوى التعليمي بما يواكب التطور اللغوي والمعرفي
وفي مجال النشر، أصدرنا مجلات ودوريات متخصصة:
-
مجلة ئلوغم — مجلة لسانية متخصصة في اللغة الأمازيغية
-
مجلة أمزرو — مجلة تاريخية تعنى بالتراث والدراسات التاريخية
إلى جانب مشروع تجميع الدواوين الشعرية ونشرها حفاظًا على الذاكرة الأدبية.
ثم أشار بابتسامة واضحة:
ومن أكبر الإنجازات التي نفخر بها…
مجلة تورارين.
هذه ليست مجلة ترفيهية للأطفال.
إنها مشروع ثقافي تربوي حقيقي… استثمار في الجيل الجديد.
نزرع اللغة والهوية في وعي الطفل منذ البدايات.
والعدد الثاني سيصدر قريبًا.
ما هي المشاريع الكبرى التي تعملون عليها حاليًا؟
أغلق بعض النوافذ على الشاشة… وفتح ملفًا ضخمًا.
هناك مشروع المعجم الأمازيغي الكبير.
مرجع لغوي ضخم يخدم الباحثين والدارسين والمهتمين.
مشروع طويل النفس… لكنه أساسي.
ونعمل كذلك على مشاريع التعليم لغير الناطقين باللغة الأمازيغية، بالتعاون مع باحثين مهمين، كلٌّ حسب تنوّعه الجهوي.
لكن المشروع الذي يشغلني كثيرًا هو:
مشروع اللغة الأمازيغية المعيار
كتاب يجمع جميع التنوعات الليبية في مكان واحد.
يقارن بينها، يشرح الفروق، ويجيب عن السؤال الملح:
لماذا اختيرت هذه الكلمة معيارًا دون غيرها؟
نقدّم مقارنة تاريخية بين التنوعات،
عمل لساني علمي… لكن بأسلوب يفهمه الجميع.
هل تعملون وحدكم أم هناك فريق يساند هذا العمل؟
ضحك وقال:
لا يمكن لأي مشروع ثقافي أن يقوم على فرد واحد.
هناك فريق حقيقي يعمل معنا:
-
مصممو غرافيك يشرفون على الإخراج البصري
-
مساعدون جهويون يهتمون بالتنوعات المحلية
-
باحثون ميدانيون في التوثيق
-
كُتّاب بدأوا فعليًا الكتابة في مجلة الأطفال
ولدينا مجموعة من المدرسات وخريجي قسم اللغة الأمازيغية.
نجتمع بشكل دوري.
بدأنا بكتيّبات عن التنوعات… ثم انتقلنا للمساهمة في مجلة تورارين.
ماذا عن الطفل الأمازيغي؟ ما مشاريع المركز له؟
اعتدل في جلسته… وكأنه يتحدث عن قضية قريبة جدًا لقلبه.
الطفل هو الأساس.
نعمل على:
-
مجموعات قصصية قيد الإعداد
-
كتب مصاحبة للمناهج
-
مجلة تورارين التي يُفترض أن تصدر شهريًا
وقد لقيت ترحيبًا كبيرًا من المهتمين.
العمل الجماعي هنا هو الضمان الحقيقي للاستمرارية.
ما أبرز التحديات التي تواجه العمل الأمازيغي اليوم؟
تنهد قليلًا…
نقص الكوادر.
حقل العمل الأمازيغي متشعب جدًا:
لغة، تعليم، توثيق، نشر، تاريخ، إعلام، تراث مادي وغير مادي…
نواجه حالات متباينة:
-
من يريد العمل ولا يملك الأدوات
-
من يملك المعرفة ولا يملك الوسائل
-
من يملك الاثنين لكن نَفَسه قصير
هناك إشكاليات حقيقية في التأهيل والاستمرارية.
ما الحل من وجهة نظركم؟
الحل هو صناعة الكفاءات.
على المركز أن ينظم دورات تدريبية حقيقية.
نحتاج تدريبًا عمليًا، تأهيلًا منهجيًا، ومرافقة مستمرة.
علينا أن نغادر دائرة النقاش النظري…
ونتجه إلى الإنجاز الفعلي على الأرض.
المشاريع لا تُنجز بالكلام.
بل بالعمل.
