إيهاب قنان يفتح ملفات المركز الليبي للدراسات الأمازيغية: الإنجازات، التحديات، والطموح

في مكتب الدكتور إيهاب قنان: عام أول من إدارة المركز الليبي للدراسات الأمازيغية

كان اللقاء مع الدكتور إيهاب قنان أقرب إلى جلسة حديث مفتوح منه إلى مقابلة تقليدية. في مكتبه بالمركز الليبي للدراسات الأمازيغية، بدت الأجواء هادئة وأخوية، بعيدة عن التكلّف، وكأن الرجل يفضّل أن يتحدث عن المؤسسة من داخل يومها العادي، لا من خلف خطاب رسمي جامد. ومع أول الأسئلة، كان واضحًا أنه يتحدث عن سنة أولى يعتبرها سنة تأسيس، سنة محاولة إعادة ترتيب البيت، وتوسيع أبوابه، وإعطاء المركز حضورًا علميًا ومجتمعيًا أوسع.

 

بداية، مرّ عام تقريبًا على توليكم إدارة المركز الليبي للدراسات الأمازيغية. كيف تقيّمون هذه التجربة حتى الآن؟

استند الدكتور إيهاب قليلًا إلى كرسيه قبل أن يبدأ في تقييم التجربة، ثم قال إن العام الأول يمكن اعتباره مرحلة تأسيسية مهمة للمركز الليبي للدراسات الأمازيغية. وعند توليهم الإدارة، كان الهدف هو إعادة تفعيل المركز كمؤسسة علمية فاعلة، ووضع أسس لتوسيع عمله وتكبير قاعدته العلمية والمجتمعية.

وأوضح أنهم عملوا على توسيع الحضور الجغرافي عبر فتح فروع في مناطق أمازيغية رئيسية مثل أوجلة، وأوباري، ونالوت، وجادو، ويفرن، مع استمرار العمل على فرع غدامس، إلى جانب تفعيل دور المركز كمؤسسة مرجعية تتواصل مع مؤسسات الدولة في القضايا المتعلقة باللغة والثقافة الأمازيغية.

وعلى الصعيد الداخلي، أشار إلى أنهم قاموا بإعادة تنظيم العمل، وتفعيل الأقسام البحثية، وإطلاق برنامج للنشر العلمي، بما في ذلك ثلاث مجلات دورية للبحث اللغوي والتاريخي والثقافي، إضافة إلى إعداد كتب في مجالات مختلفة.

ثم ختم هذه الإجابة بنبرة هادئة وواقعية، مؤكدًا أن العام لم يكن كافيًا لتحقيق كل الطموحات بسبب تحديات الموارد والإمكانات والقيود الإدارية، لكنه كان بداية واضحة لوضع المركز على طريق التطوير وترسيخ مكانته كمؤسسة علمية مرجعية في الدراسات الأمازيغية.

عندما تسلمتم إدارة المركز، ما الرؤية التي وضعتموها لتطوير عمله خلال المرحلة القادمة؟

هنا بدا وكأنه يريد أن يضع الفكرة في إطارها الأوسع، فتحدث بوضوح عن الرؤية التي انطلقوا منها. قال إن الرؤية عند استلام الإدارة كانت واضحة: تحويل المركز الليبي للدراسات الأمازيغية إلى منصة علمية رائدة ومرجعية أساسية للدراسات الأمازيغية في ليبيا، تجمع بين البحث الأكاديمي والتوثيق الثقافي والتفاعل المجتمعي.

وبيّن أن هذه الرؤية تركزت على عدة محاور رئيسية. أولها توسيع نطاق عمل المركز جغرافيًا وعلميًا، عبر فتح الفروع في المناطق الأمازيغية المختلفة لضمان تغطية واسعة ودراسة خصوصيات كل منطقة. وثانيها تعزيز دور المركز كمؤسسة مرجعية للدولة والمجتمع، سواء في ما يخص اللغة والثقافة أو المواد التعليمية والمطبوعات الأمازيغية. أما ثالثها فكان تشجيع البحث العلمي والإنتاج المعرفي من خلال تطوير أقسام المركز البحثية، وإطلاق برامج النشر العلمي والمجلات الدورية التي تخدم مختلف الفئات العمرية والمجالات الأكاديمية.

وباختصار، كما قال، فإن الرؤية ترتكز على الدمج بين البحث العلمي والتوثيق والتفاعل المجتمعي، ليصبح المركز مؤسسة حية وفاعلة، تعكس التنوع الثقافي والتاريخي للأمازيغ في ليبيا.

كيف وجدتم وضع المركز عند استلامكم الإدارة من حيث الإمكانيات والبرامج العلمية والبحثية؟

حين وصل الحديث إلى وضع المركز عند استلام الإدارة، حرص الدكتور إيهاب منذ البداية على أن يتحدث بنبرة منصفة. فقد قال إنهم وجدوا مؤسسة تحمل إرثًا مهمًا من الجهود السابقة، وإن المركز بناء تراكمي يقوم على ما بذلته الإدارات السابقة من عمل واجتهاد، لذلك لا يرى ضرورة لتوجيه الانتقادات، بل يسعى إلى البناء على ما تم بالفعل وتطويره بما يخدم الرؤية الحالية.

وأضاف أن وضع المركز من حيث الإمكانيات والبرامج العلمية كان متواضعًا إلى حد ما، لكنه في الوقت نفسه كان يوفر أساسًا جيدًا يمكن البناء عليه. فقد كانت هناك بعض المشاريع القائمة وبعض المبادرات البحثية، لكن لم تكن هناك استراتيجية واضحة لتوسيع نطاق العمل جغرافيًا أو لتعزيز دوره كمؤسسة مرجعية للدولة والمجتمع.

وأوضح أن التوجه منذ البداية كان توسيع نطاق عمل المركز جغرافيًا وعلميًا عبر فتح الفروع في المناطق الأمازيغية المختلفة، لضمان التغطية الشاملة ودراسة الخصوصيات المحلية. كما ركزوا على تعزيز دور المركز كمؤسسة مرجعية فيما يتعلق باللغة والثقافة والتواصل مع مؤسسات الدولة. وفي الجانب العلمي، سعوا إلى تشجيع البحث العلمي والإنتاج المعرفي من خلال تطوير أقسام المركز البحثية وتنشيط برامج النشر العلمي وإطلاق المجلات الدورية التي تخدم مختلف الفئات العمرية والمجالات الأكاديمية.

ثم لخّص الفكرة بصورة معبّرة فقال إنهم وجدوا المركز كبذرة يمكن أن تنمو وتكبر، وكان العمل منذ اليوم الأول يهدف إلى توسيع هذه البذرة وتحويلها إلى مؤسسة علمية نشطة وفاعلة على المستويين المحلي والدولي.

ما أهم الأولويات التي عملتم عليها خلال هذا العام الأول؟

ومع الانتقال إلى سؤال الأولويات، بدا أنه يتحدث عن خارطة عمل حاولت الإدارة تثبيتها منذ البداية. قال إنهم خلال العام الأول حاولوا التركيز على مجموعة من الأولويات التي يرونها أساسية لوضع المركز على مسار أكثر فاعلية.

في مقدمة هذه الأولويات كان توسيع نطاق عمل المركز جغرافيًا، من خلال العمل على فتح فروع له في عدد من المناطق الأمازيغية، حتى يكون حضوره أقرب إلى المجتمعات المحلية ويستطيع متابعة خصوصياتها اللغوية والثقافية والتراثية بشكل مباشر.

كما أشار إلى أن من بين الأولويات أيضًا تفعيل دور المركز كمؤسسة مرجعية في ما يتعلق بالقضايا المرتبطة باللغة والثقافة الأمازيغية، عبر بناء قنوات تواصل وتنسيق مع مؤسسات الدولة المختلفة، سواء في ما يخص الأسماء الأمازيغية، أو المناهج التعليمية، أو تسهيل إجراءات طباعة الكتب المكتوبة بالأمازيغية.

وفي الجانب العلمي، ركزوا على إعادة تنظيم العمل داخل المركز وتفعيل أقسامه البحثية، بما يسمح بتطوير برامج بحثية أكثر انتظامًا، إلى جانب إطلاق برنامج للنشر العلمي يهدف إلى تشجيع الباحثين وإتاحة المجال لنشر الدراسات والأعمال المتخصصة في مجالات اللغة والتاريخ والثقافة الأمازيغية.

وأضاف أن من أولوياتهم كذلك إطلاق عدد من الإصدارات الدورية التي تسهم في تنشيط الحركة العلمية والثقافية، من بينها المجلات المتخصصة في الدراسات اللغوية والتاريخية، إضافة إلى إصدار موجه للأطفال يهدف إلى تعزيز حضور اللغة الأمازيغية لدى الأجيال الجديدة.

واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن الأولوية الأساسية خلال هذا العام كانت إعادة تنشيط المركز وتوسيع دائرة تأثيره علميًا ومجتمعيًا، حتى يتحول إلى مؤسسة بحثية فاعلة تسهم في خدمة الدراسات الأمازيغية في ليبيا.

على مستوى الإنجازات، ما أبرز ما تحقق للمركز خلال هذه الفترة؟

عندما سُئل عن أبرز ما تحقق، بدأ يسرد الإنجازات بطريقة منظمة، وكأنه يرتبها أمام السامع بندًا بعد آخر. قال إن المركز تمكن خلال هذه الفترة من تحقيق عدة إنجازات مهمة رغم القيود والإمكانات المحدودة.

أولًا، توسيع الحضور الجغرافي والشراكات، حيث صدرت قرارات بفتح فروع في عدد من البلديات الأمازيغية، مع استمرار العمل على فروع أخرى، بالإضافة إلى بناء قنوات تواصل مع مؤسسات الدولة مثل مركز المناهج ووزارة الثقافة لدعم القضايا المتعلقة باللغة والثقافة الأمازيغية.

ثانيًا، المشاريع البحثية والثقافية، وقد تضمنت تأهيل مدربين لتدريب المدرسين على أساليب حديثة، وتوثيق الطوبونيميا، وتوحيد الهوية البصرية للمركز، إلى جانب إعداد إصدارات متعددة من معاجم ودواوين شعر وكتب علمية وأدبية، تم نشر جزء منها، بينما يجري استكمال بقية الأعمال.

ثالثًا، النشر والمجلات، إذ أطلق المركز ثلاث مجلات دورية متخصصة في اللغويات والتاريخ وموجهة للأطفال، إلى جانب تطوير الموقع الإلكتروني الذي يتيح تعلم اللغة، ومعجمًا ذكيًا، ودعمًا للمعلمين، ومكتبة إلكترونية متنامية.

رابعًا، الأنشطة العلمية والثقافية، وشملت ندوات وجلسات حوارية، ومؤتمرًا حول تحديات تدريس اللغة الأمازيغية، والمشاركة في المعارض والمؤتمرات.

ومع ذلك، حرص على أن يضع هذه الإنجازات في إطارها الواقعي، مؤكدًا أنها تمثل خطوات أولى مهمة، لكنها لم تغطِّ كل الطموحات، وأن العمل ما يزال مستمرًا لتوسيع البرامج وتحقيق الأهداف المستقبلية للمركز.

هل تم إطلاق مشاريع بحثية أو برامج علمية جديدة تتعلق باللغة والثقافة الأمازيغية في ليبيا؟

هنا اتجه الحديث أكثر نحو الجانب البحثي، وأوضح الدكتور إيهاب أن من بين أولويات الإدارة منذ البداية إطلاق عدد من المشاريع البحثية والبرامج العلمية التي تسهم في دعم الدراسات الأمازيغية في ليبيا، مع الاعتراف بأن حجم هذه المشاريع ما يزال محدودًا مقارنة بما يطمحون إليه، بسبب التحديات المتعلقة بالإمكانات البشرية والمالية.

ومن بين المشاريع التي يعمل عليها المركز، كما ذكر، مشروع توثيق الطوبونيميا، أي الأسماء الجغرافية في المناطق الأمازيغية، باعتبارها جزءًا مهمًا من الذاكرة التاريخية والثقافية، لأن دراسة هذه الأسماء تساعد على فهم التحولات اللغوية والاجتماعية التي شهدتها هذه المناطق عبر الزمن. كما يعمل المركز على مشاريع لتوثيق اللغة والتقاليد والعادات المحلية، خاصة لدى أمازيغ الجنوب، بهدف حفظ هذا الموروث الثقافي وتوثيقه علميًا قبل أن يتعرض للاندثار.

وفي الجانب اللغوي، أطلق المركز مشروع معجم ذكي متعدد اللغات للغة الأمازيغية، وهو مشروع يهدف إلى توفير أداة علمية حديثة يمكن أن يستفيد منها الباحثون والمهتمون بالدراسات اللغوية، ويساعد على تسهيل البحث العلمي وتطوير العمل المعجمي في اللغة الأمازيغية.

وأضاف أن المركز سعى أيضًا إلى تعزيز برامج النشر العلمي من خلال إطلاق مجلات دورية متخصصة في الدراسات اللغوية والتاريخية، في محاولة لاستقطاب الباحثين وتشجيعهم على نشر أبحاثهم من خلال إصدارات المركز، بحيث تصبح هذه المجلات منصة لتجميع الدراسات والأبحاث المتعلقة باللغة والثقافة الأمازيغية. كما يسعى المركز من خلال هذه المبادرات إلى توسيع التعاون مع الباحثين والمهتمين وخريجي أقسام اللغة الأمازيغية في الجامعات الليبية.

وفي إطار توسيع مجالات البحث، يعمل المركز أيضًا على التعاون مع المؤسسات الأكاديمية، ومن ذلك التوجه نحو إبرام اتفاقية شراكة مع كلية الهندسة المعمارية بجادو للتعاون مع أعضاء هيئة التدريس والطلبة في دراسة الهوية المعمارية في المناطق الأمازيغية. ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار المركز في تنفيذ مشاريع الرفع المساحي لبعض المباني الأثرية في المنطقة بهدف توثيقها علميًا والحفاظ على هذا الجانب من التراث العمراني والثقافي.

وختم هذه الإجابة بالتأكيد على أن هذه المشاريع تمثل خطوات أولية في مسار بناء برنامج بحثي أوسع للمركز، لكنها ما زالت بحاجة إلى تطوير وتوسيع في المستقبل حتى ترقى إلى مستوى الدور العلمي الذي يُفترض أن يؤديه المركز في مجال الدراسات الأمازيغية داخل ليبيا.

ماذا عن النشر العلمي للمركز؟ هل هناك خطط لتطوير الإصدارات أو المجلات العلمية التي يصدرها المركز؟

في حديثه عن النشر العلمي، بدا واضحًا أن هذا الملف يحتل مكانة مركزية في تصوره لعمل المركز. قال إن النشر العلمي يُعد أحد المحاور الأساسية في عمل المركز، ولذلك عملوا خلال هذه الفترة على إطلاق عدد من المجلات الدورية، من بينها مجلة للدراسات اللسانية، ومجلة تاريخية تعنى بالتراث والدراسات التاريخية، إضافة إلى مجلة موجهة للأطفال تهدف إلى تعزيز حضور اللغة الأمازيغية لدى الأجيال الناشئة.

لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذه الخطوات ما تزال في مراحلها الأولى، ولم تصل بعد إلى المستوى الذي يطمحون إليه من حيث الانتظام والتصنيف الأكاديمي. فالهدف في المرحلة القادمة هو تطوير هذه المجلات تدريجيًا لتصبح مجلات علمية محكمة ومعتمدة وفق المعايير الأكاديمية، وأن تتحول إلى منصة تستقطب الباحثين والمهتمين بالدراسات الأمازيغية.

وأضاف أن المركز يعمل بالتوازي على تطوير برامج النشر العلمي للكتب والدراسات المتخصصة، بحيث تتكامل الإصدارات مع المجلات الدورية في بناء رصيد معرفي يخدم البحث العلمي في مجال اللغة والثقافة الأمازيغية في ليبيا، رغم أن هذا المسار ما زال بحاجة إلى مزيد من الدعم والتنظيم.

هل يعمل المركز على إنشاء أرشيف علمي أو قاعدة بيانات توثق الدراسات الأمازيغية في ليبيا؟

ومع هذا السؤال، بدت أهمية المكان الذي كنا فيه أكثر وضوحًا. كنا قد انتقلنا بالفعل إلى القبو حيث المكتبة الجديدة، وهناك، بين الرفوف والمساحات التي يجري تجهيزها، بدا الحديث عن الأرشيف وقواعد البيانات متصلًا بالمشهد نفسه.

قال الدكتور إيهاب إن مسألة بناء أرشيف علمي وقاعدة بيانات للدراسات الأمازيغية تُعد من الأهداف المهمة التي يعمل عليها المركز، لأن أي عمل بحثي جاد يحتاج إلى بنية معرفية منظمة تتيح للباحثين الوصول إلى المصادر والدراسات المتعلقة بهذا المجال.

وفي هذا الإطار، يعمل المركز على إنشاء قاعدة بيانات خاصة بالباحثين والمهتمين بالشأن اللغوي والثقافي الأمازيغي في ليبيا، بحيث تضم الباحثين المتخصصين والمهتمين بهذا المجال، مع توثيق مجالات اهتمامهم. والهدف من ذلك هو تسهيل التواصل معهم، وخلق شبكة علمية يمكن أن تتعاون في إنجاز المشاريع البحثية والدراسات المختلفة.

وإلى جانب ذلك، يسعى المركز إلى تطوير مكتبته العلمية من خلال اقتناء الكتب والإصدارات ذات الصلة بالدراسات الأمازيغية، سواء في مجالات اللغة أو التاريخ أو الأنثروبولوجيا أو التراث الثقافي. ويأتي ذلك في إطار العمل على إنشاء أرشيف علمي ومكتبة متخصصة تجمع أكبر قدر ممكن من الكتب والدراسات والمصادر المرتبطة بالشأن الأمازيغي، بحيث تكون مرجعًا للباحثين والطلبة والمهتمين، وتساعد في حفظ هذا الإنتاج المعرفي وتنظيمه.

وأشار إلى أن هذا المشروع ما زال في طور التطوير، وأن العمل مستمر عليه، لكنه بلا شك يُعد من الأهداف الاستراتيجية للمركز في المرحلة القادمة، لأن بناء أرشيف علمي وقاعدة بيانات متكاملة سيسهم بشكل كبير في دعم البحث العلمي وتطوير الدراسات الأمازيغية في ليبيا.

ما الدور الذي يسعى المركز إلى القيام به في توثيق التراث الأمازيغي الليبي، سواء اللغوي أو الثقافي أو التاريخي؟

قال إن المركز الليبي للدراسات الأمازيغية يولي أهمية كبيرة لمسألة توثيق التراث الأمازيغي، باعتباره جزءًا أصيلًا من الذاكرة التاريخية والثقافية لليبيا. ومن هذا المنطلق، يسعى المركز إلى القيام بدور علمي في جمع هذا التراث ودراسته وتوثيقه بشكل منهجي، حتى يكون محفوظًا ومتاحًا للباحثين والأجيال القادمة.

وبشكل عام، كما أوضح، يسعى المركز إلى التعامل مع التراث الأمازيغي كمنظومة متكاملة تشمل اللغة والثقافة والتاريخ والذاكرة الاجتماعية، والعمل على دراستها وتوثيقها بأساليب علمية حديثة، حتى تكون جزءًا من الرصيد المعرفي والثقافي الوطني في ليبيا.

كيف تصفون علاقة المركز الليبي للدراسات الأمازيغية بالجامعات الليبية والباحثين في مختلف التخصصات؟

حين انتقل الحديث إلى علاقة المركز بالجامعات والباحثين، كان واضحًا أنه يفضّل الصراحة على المجاملة. قال إن العلاقة بين المركز الليبي للدراسات الأمازيغية والجامعات الليبية والباحثين في مختلف التخصصات تُعد عنصرًا أساسيًا في تطوير العمل العلمي في هذا المجال. ومن المهم هنا الاعتراف بأن التواصل مع الجامعات والباحثين لم يكن بالمستوى الذي يطمحون إليه في الفترات السابقة، وهو أحد أوجه القصور التي يعملون على معالجتها خلال المرحلة الحالية.

ومن هذا المنطلق، يسعى المركز إلى تعزيز جسور التعاون مع الجامعات الليبية، خاصة الأقسام العلمية ذات الصلة مثل أقسام اللغة الأمازيغية واللغات والآداب والتاريخ والأنثروبولوجيا، وذلك من خلال تشجيع الباحثين وأعضاء هيئة التدريس والطلبة على المشاركة في الأنشطة العلمية التي ينظمها المركز، والمساهمة في المجلات والدوريات التي يصدرها.

هل توجد شراكات أو برامج تعاون مع مؤسسات ثقافية أو بحثية داخل ليبيا؟

أوضح الدكتور إيهاب أن هناك بعض محاولات التعاون والشراكات مع مؤسسات أكاديمية وثقافية داخل ليبيا، لكن من المهم الاعتراف بأن هذا الجانب لم يكن بالمستوى الذي يطمحون إليه خلال الفترات السابقة، سواء من حيث تفعيل الاتفاقيات القائمة أو توسيع دائرة التعاون مع المؤسسات العلمية المختلفة.

وضرب مثالًا باتفاقية شراكة بحثية مع جامعة نالوت، إلا أن هذه الشراكة لم تُفعَّل بالشكل المطلوب سابقًا. كما يوجد بعض التواصل مع خريجي قسم اللغة الأمازيغية بزوارة، لكنه شدد على أهمية تعزيز التعاون مع القسم نفسه لما يمتلكه من خبرات أكاديمية ومتراكم معرفي يمكن أن يسهم بشكل كبير في دعم العمل العلمي للمركز، سواء في مجالات البحث أو التدريب أو النشر العلمي.

وأضاف أنهم يأملون أن تتوسع هذه الشراكات مستقبلًا لتشمل جامعات ومراكز بحثية أخرى داخل ليبيا، بحيث يتحول المركز إلى منصة للتعاون العلمي المشترك تسهم في تطوير الدراسات المرتبطة باللغة والثقافة والتراث الأمازيغي.

ماذا عن التعاون مع مؤسسات أو مراكز بحثية خارج ليبيا متخصصة في الدراسات الأمازيغية؟

في هذا الجزء من الحديث، بدا أن المركز يحاول استعادة مسار تعاون خارجي كان قد تعثر. فقد أوضح الدكتور إيهاب أن المركز بدأ على صعيد التعاون الدولي إعادة التواصل مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالمغرب لإبرام اتفاقية تعاون وشراكة، ضمن جهود إعادة تفعيل هذا المسار المتوقف منذ عام 2020، والعمل على استكمال الإجراءات اللازمة لإتمام الاتفاقية رسميًا، بما يفتح المجال لتبادل الخبرات وتنفيذ برامج بحثية مشتركة.

كما يجري حاليًا تجهيز مذكرة للتواصل مع المحافظة السامية للأمازيغية بالجزائر بشأن اتفاقية تعاون محتملة، بهدف تعزيز العلاقات العلمية والثقافية وتوسيع فرص التعاون في مجالات البحث والتوثيق والنشر العلمي المتعلق بالدراسات الأمازيغية.

وأضاف أنه تم اللقاء مع بعض الملحقيات الثقافية في السفارات لمناقشة فرص التعاون المشترك مع جامعاتها ومؤسساتها البحثية، في خطوة نحو بناء شبكة علاقات دولية قوية تدعم عمل المركز وتعزز دوره في الدراسات الأمازيغية.

هل يسعى المركز إلى إشراك الباحثين الشباب وطلبة الدراسات العليا في مشاريعه وبرامجه العلمية؟

قال إن إشراك الباحثين الشباب وطلبة الدراسات العليا يمثل أولوية مهمة للمركز، لأن تطوير الدراسات الأمازيغية لا يمكن أن يتحقق دون دمج الجيل الجديد في البحث العلمي والمشاريع الميدانية. لكنه لم يُخفِ وجود صعوبات وعراقيل تواجه هذا المسار، أهمها محدودية الإمكانات المادية والبنية التحتية، إلى جانب قلة عدد الباحثين المدربين والمتخصصين.

ومع ذلك، أوضح أن المركز سيعمل على التعامل مع هذه التحديات عبر التواصل مع الأقسام الجامعية ذات الصلة، وتنظيم ورش العمل والفعاليات البحثية، بهدف بناء جيل من الباحثين المؤهلين لدعم وتطوير الدراسات الأمازيغية في ليبيا على المدى الطويل.

كل مؤسسة علمية تواجه تحديات. ما أبرز التحديات التي واجهتكم خلال هذا العام الأول؟

في هذه النقطة، أخذ الحديث طابعًا أكثر مباشرة. فقد قال الدكتور إيهاب إن كل مؤسسة علمية تواجه تحديات، والمركز الليبي للدراسات الأمازيغية ليس استثناءً. وخلال هذا العام الأول، واجهوا مجموعة من الصعوبات الجوهرية التي أثرت على سرعة وتوسع العمل.

وأوضح أن من أهم هذه التحديات محدودية الإمكانات المادية والبنية التحتية، والتي تحد أحيانًا من قدرتهم على تنفيذ المشاريع البحثية والميدانية أو توسيع نطاق الفروع والأنشطة. كما أشار إلى نقص الموارد البشرية المدربة والمتخصصة، سواء في مجالات البحث اللغوي أو التاريخي أو التوثيق الثقافي.

وأضاف أن من بين الصعوبات أيضًا صعوبة الحصول على موظفين في معظم إدارات المركز بسبب متطلبات الانضباط والمداومة، حيث يفضل غالبية الموظفين العمل في مؤسسات لا تفرض تواجدًا دائمًا أو الانضباط. كما تحدّث عن التحديات الإدارية والتنظيمية، موضحًا أن المركز يحتاج إلى هيكلة أفضل للأقسام البحثية وبرامج النشر، وتنظيم العمل بما ينسجم مع أهدافه العلمية والمجتمعية، وهي أمور يعملون على معالجتها حاليًا.

ومع كل ذلك، أكد أن العام الأول كان بمثابة مرحلة تأسيسية مهمة، جرى خلالها وضع أسس عمل واضحة وتحديد أولويات استراتيجية تساعد المركز على تجاوز العقبات تدريجيًا، وتعزيز دوره كمؤسسة علمية رائدة في الدراسات الأمازيغية داخل ليبيا.

هل كانت هناك تحديات إدارية أو تنظيمية داخل المؤسسة؟

أجاب بأن المركز واجه بالفعل خلال هذا العام الأول تحديات إدارية وتنظيمية، وهو أمر طبيعي لأي مؤسسة تعمل على إعادة تنظيم نفسها أو توسيع نشاطها.

وأوضح أن من أبرز هذه التحديات الحاجة إلى هيكلة أفضل للمركز، خاصة مع فتح فروع له في مناطق أخرى، ومع تفعيل الأقسام البحثية وبرامج النشر، بحيث تكون متوافقة مع أهداف المركز العلمية والمجتمعية. وأضاف أنهم يعملون على ذلك من خلال إعداد هيكل تنظيمي جديد وتجهيزه للاعتماد، بما يساعد على تنظيم العمل الداخلي بشكل أكثر فاعلية، ويشمل توزيع المهام، وضمان التنسيق بين الفرق المختلفة، ووضع آليات متابعة واضحة للمشاريع والأنشطة.

وأشار أيضًا إلى وجود بعض الصعوبات المتعلقة بإدارة الموارد البشرية، خاصة في ظل محدودية الكوادر المدربة والمتخصصة. لكنه رأى في هذه المرحلة فرصة لإعادة النظر في أساليب العمل ووضع أسس تنظيمية واضحة تساعد المركز على تطوير إدارته وتحسين أدائه العلمي والمجتمعي في المستقبل.

ما هي أبرز الصعوبات التي تواجه البحث العلمي في مجال الدراسات الأمازيغية في ليبيا؟

قال إن البحث العلمي في مجال الدراسات الأمازيغية في ليبيا يواجه عددًا من الصعوبات، بعضها مرتبط بالظروف العامة للبحث العلمي في البلاد، وبعضها الآخر يتعلق بطبيعة هذا المجال نفسه.

ومن أبرز هذه الصعوبات، كما أوضح، قلة المؤسسات والمراكز المتخصصة التي تعنى بالدراسات الأمازيغية، وهو ما يجعل حجم المشاريع البحثية محدودًا مقارنة بأهمية الموضوع وتشعب مجالاته. كما أن هناك نقصًا حادًا في الكوادر الأكاديمية المتخصصة في بعض فروع الدراسات الأمازيغية، خاصة في مجالات اللسانيات والتوثيق والدراسات التاريخية.

وأضاف أن الباحثين يواجهون أيضًا تحديات تتعلق بضعف توفر المصادر والأرشيفات المنظمة التي تجمع الدراسات والوثائق المتعلقة باللغة والثقافة الأمازيغية، الأمر الذي يجعل كثيرًا من الباحثين يعتمدون على الجهد الفردي في جمع المادة العلمية.

ومن التحديات كذلك محدودية برامج النشر العلمي المتخصصة التي تتيح للباحثين نشر أعمالهم في هذا المجال، ولذلك يعمل المركز على تفعيل هذه البرامج عن طريق مجلاته الدورية، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية لتشجيع الدراسات المشتركة وتبادل الخبرات.

هل يواجه المركز صعوبات تتعلق بالحصول على الوثائق أو المصادر التاريخية المرتبطة بالتراث الأمازيغي؟

أجاب بأن مسألة الحصول على الوثائق والمصادر التاريخية المرتبطة بالتراث الأمازيغي تُعد بالفعل من التحديات التي يواجهها المركز. وأرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها أن جزءًا كبيرًا من هذا التراث لا يزال في شكل روايات شفوية أو مواد غير موثقة بشكل علمي، مما يتطلب جهودًا ميدانية لجمعه وتوثيقه قبل أن يندثر مع مرور الوقت.

كما أشار إلى أن بعض الوثائق والمصادر التاريخية موزعة بين مكتبات خاصة أو لدى أفراد، وهو ما يجعل الوصول إليها أحيانًا صعبًا ويحتاج إلى تواصل وجهد لإقناع أصحابها بإتاحتها للبحث العلمي.

وأضاف أن كثيرًا من الدراسات أو الوثائق المتعلقة بالتاريخ والثقافة الأمازيغية موجودة خارج ليبيا، في مكتبات أو مراكز بحثية دولية، وهو ما يتطلب تعاونًا علميًا مع هذه المؤسسات للاطلاع عليها أو الحصول على نسخ منها.

ولهذا، كما قال، كان من بين أسباب تركيز المركز على فتح فروع تغطي مناطق مختلفة من البلاد أن ذلك يساعد على تعزيز مشاريع التوثيق الميداني وجمع المادة العلمية من مصادرها المباشرة. كما يعمل المركز بالتوازي على تطوير مكتبته العلمية وبناء أرشيف للدراسات والوثائق المتعلقة بالشأن الأمازيغي، حتى تتوفر للباحثين قاعدة معرفية تساعدهم في تطوير الدراسات في هذا المجال.

وختم بالتأكيد على أن جزءًا من هذه المشاريع يندرج ضمن الأهداف المتوسطة والبعيدة المدى، لكن ما يعملون عليه حاليًا هو وضع الأسس اللازمة لها والبناء عليها بشكل تدريجي.

من ناحية التمويل، هل يشكل الجانب المالي تحديًا لعمل المركز؟

عند هذا السؤال، تغيّر إيقاع الحديث قليلًا. مدّ الدكتور إيهاب يده إلى بعض الأوراق، وأخذ يوضّح الأرقام فوق الطاولة بهدوء وشفافية واضحة، كما لو أنه يريد أن يضع الصورة كاملة بلا التباس.

قال إن الجانب المالي يُعد من التحديات التي تؤثر على عمل المركز، خصوصًا أن المؤسسات البحثية تحتاج إلى استقرار في التمويل حتى تتمكن من التخطيط لمشاريعها العلمية والثقافية وتنفيذها بالشكل المطلوب.

ثم أشار إلى خطأ ورد في تقرير مصرف ليبيا المركزي بشأن إنفاق المركز لسنة 2025. فقد ذكر التقرير أن إجمالي الحوالات الواردة إلى المركز الليبي للدراسات الأمازيغية كانت على النحو التالي:
الباب الأول، المرتبات ومكافآت العاملين وما في حكمها: 326,150.828 دينار ليبي.
الباب الثاني، الميزانية التسييرية: 736,670.000 دينار ليبي.

لكنه أوضح أن القيمة الفعلية التي وصلت إلى المركز خلال سنة 2025 كانت أقل من ذلك بكثير، حيث بلغت:
الباب الأول: 119,012.835 دينار ليبي.
الباب الثاني: 436,668.250 دينار ليبي.

وأضاف أنهم قاموا بالفعل بمراسلة إدارة الميزانية بوزارة المالية في شهر يناير الماضي لتوضيح هذا الأمر، وما يزالون في انتظار الرد الرسمي. وترجح إدارة المركز، بحسب ما قال، أن سبب هذا الخطأ قد يكون خلطًا بين المركز الليبي للدراسات الأمازيغية ومركز آخر مستقل مرتبط بالدراسات الأمازيغية، مما أدى إلى دمج ميزانية الجهتين تحت اسم مركزهم في التقرير.

ثم انتقل إلى نقطة أخرى مرتبطة بتوقيت وصول ميزانية الباب الثاني، وهي الميزانية التسييرية التي يعتمد عليها المركز في تنفيذ معظم أنشطته العلمية والثقافية ومشاريعه البحثية. وأوضح أنه خلال الفترة من بداية العام وحتى 31 ديسمبر 2025 لم تتجاوز المبالغ التي وصلت إلى المركز 181,945.283 دينارًا، بينما وصل الجزء الأكبر من الميزانية، وقيمته 254,724.3 دينارًا، بتاريخ 4 يناير 2026، أي قبل إقفال الحساب الختامي مباشرة.

وأشار إلى أن وصول الجزء الأكبر من الميزانية في نهاية الفترة المالية يجعل من الصعب على المؤسسة التخطيط المسبق أو تنفيذ البرامج والمشاريع بالشكل الذي كانت تطمح إليه. ولذلك يأملون في المرحلة القادمة أن يكون هناك تنظيم أفضل لتدفق الميزانية خلال العام بما يسمح للمركز بتنفيذ برامجه العلمية والثقافية بصورة أكثر فاعلية.

هل الميزانية الحالية كافية لتنفيذ البرامج البحثية والعلمية التي يطمح إليها المركز؟

أجاب بصراحة أن الميزانية الحالية تساعد المركز على تسيير جزء من أعماله الأساسية، لكنها لا تكفي لتحقيق جميع البرامج البحثية والعلمية التي يطمح إليها، خاصة أن طبيعة عمل المركز تشمل البحث العلمي، والتوثيق الميداني، والنشر العلمي، وتنظيم الندوات والمؤتمرات والأنشطة الثقافية.

وأضاف أن المركز يعمل على توسيع نطاق عمله جغرافيًا من خلال فتح فروع في عدد من المناطق، وهو ما يتطلب ميزانية أكبر لتغطية احتياجات هذا التوسع، إضافة إلى رفع مخصصات الأنشطة العلمية والثقافية وبرامج النشر.

كما أشار إلى أن المركز يسعى إلى توسيع برامجه العلمية والثقافية من خلال زيادة عدد المؤتمرات والندوات، وتنظيم ورش ودورات تدريبية، والتوسع في إصدار الكتب والمجلات العلمية والثقافية. ومع زيادة الفروع سيزداد أيضًا حجم المصاريف التشغيلية واللوازم المكتبية الضرورية لضمان سير العمل بشكل منتظم.

ولذلك، كما قال، يمكن القول إن الميزانية الحالية تساعد على استمرار العمل ووضع أسس لبعض المشاريع، لكنها تحتاج إلى تعزيز حتى يتمكن المركز من تنفيذ برامجه العلمية والثقافية وتحقيق الأهداف التي يسعى إليها في خدمة الدراسات الأمازيغية في ليبيا.

ما الذي تأملونه من الحكومة الليبية لدعم عمل المركز وتطويره؟

في هذا الجزء من اللقاء، أخذنا جولة داخل المبنى، وكان الحديث عن المقر والدعم المؤسسي ينساب طبيعيًا مع المكان نفسه. قال الدكتور إيهاب إنهم يأملون من الحكومة الليبية أن تولي اهتمامًا أكبر بالمؤسسات العلمية والبحثية بشكل عام، لأن البحث العلمي يعد أساسًا مهمًا في النهوض وتطوير المعرفة وحفظ الهوية الثقافية. وفي هذا الإطار يتطلعون إلى دعم المركز الليبي للدراسات الأمازيغية ليتمكن من أداء دوره العلمي والثقافي بالشكل المطلوب.

وأوضح أن من بين أهم أشكال الدعم التي يأملونها توفير ميزانية مستقرة وكافية تساعد المركز على تنفيذ برامجه البحثية والثقافية، خاصة في ظل توجهه إلى فتح فروع في عدد من المناطق وتوسيع أنشطته في مجالات التوثيق، والنشر العلمي، وتنظيم المؤتمرات والندوات.

كما عبّر عن أملهم في تعزيز التعاون المؤسسي بين المركز ومختلف مؤسسات الدولة، سواء في مجالات التعليم أو الثقافة أو البحث العلمي، حتى يتمكن المركز من القيام بدوره كمؤسسة مرجعية في ما يتعلق بالدراسات الأمازيغية واللغة والثقافة المرتبطة بها.

ومن الأمور المهمة أيضًا، كما قال، تخصيص مقر مناسب للمركز، لأن الاستقرار المؤسسي يعد جزءًا كبيرًا من النجاح، ويساعد على تنظيم العمل وتطوير البرامج العلمية والثقافية على المدى الطويل.

وبشكل عام، شدد على أن دعم الحكومة للمركز لا يقتصر فقط على الجانب المالي، بل يشمل أيضًا توفير البيئة المؤسسية المناسبة التي تمكنه من العمل والتعاون مع الجامعات والمؤسسات العلمية، بما يسهم في تطوير الدراسات الأمازيغية وحفظ هذا الجزء المهم من التراث الثقافي الليبي.

هل هناك توجه لفتح شراكات أو مصادر تمويل إضافية لدعم المشاريع العلمية والثقافية؟

أوضح أن البحث عن شراكات أو مصادر تمويل إضافية صعب في الوقت الحالي بسبب عدة عوائق تواجه المركز. ومن أبرز هذه العوائق، كما قال، ضعف البنية المؤسسية الحالية في المركز، بما يشمل الكادر الإداري والتقني المسؤول عن إدارة الشراكات والمشاريع الممولة.

وأضاف أن هناك أيضًا تعقيدات في الإجراءات الإدارية والمالية المتعلقة بالتمويل أو المنظمات المانحة، وهي إجراءات تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين لإتمامها، إلى جانب تأخر تفعيل بعض الاتفاقيات أو المذكرات مع المؤسسات البحثية خارج ليبيا، ما يحد من إمكانية الاستفادة الفعلية من الدعم والخبرات.

وبالتالي، فإن العمل على استقطاب تمويل إضافي وتنفيذ شراكات دولية يظل هدفًا بعيد المدى في المرحلة الحالية، بينما يركز المركز في الوقت الراهن على استغلال الإمكانات المتاحة وتطوير الأسس اللازمة لتسهيل ذلك مستقبلًا.

ماذا عن العاملين في المركز؟ هل عدد الكوادر الدائمة كافٍ لتسيير العمل؟

وأثناء مرورنا على المكاتب التي يعمل فيها الموظفون، بدا هذا السؤال حاضرًا في مكانه الطبيعي. أجاب الدكتور إيهاب بأن عدد الموظفين الدائمين في المركز قليل، وأن استقطاب كادر وظيفي يُعد من أكبر التحديات التي يواجهونها حاليًا.

وأرجع ذلك إلى عدة أسباب، من أبرزها نقص الموارد البشرية المدربة والمتخصصة، سواء في البحث اللغوي، أو الدراسات التاريخية، أو التوثيق الثقافي، ما يحد من قدرتهم على تنفيذ المشاريع بكفاءة عالية.

كما أشار إلى صعوبة استقطاب موظفين جدد للعمل في إدارات المركز، نظرًا لمتطلبات الانضباط والمداومة الصارمة، بينما يفضل كثير من الموظفين العمل في مؤسسات لا تفرض حضورًا دائمًا أو قواعد انضباط. ومع ذلك، أوضح أن هناك استمرارًا في التواصل مع عدد من الشخصيات المستهدفة للانتقال إلى المركز من أجل تقوية الكادر ودعم أنشطته.

هل توجد خطط لتطوير الكفاءات البحثية والإدارية داخل المؤسسة؟

قال إن هذه من أصعب التحديات التي يواجهها المركز، لأن تطوير القدرات البحثية يمثل تحديًا كبيرًا يحتاج إلى عدة عناصر متزامنة.

أولًا، يتطلب الأمر توافر كوادر متخصصة ومدربة، وهو أمر محدود حاليًا بسبب قلة الباحثين المؤهلين في مجال الدراسات الأمازيغية.
ثانيًا، يحتاج تطوير القدرات إلى برامج تدريبية وورش عمل متقدمة لتطوير المهارات البحثية، وهو ما يتطلب تمويلًا ومستوى تنظيميًا مناسبًا لضمان تنفيذها بشكل فعّال.
ثالثًا، من الضروري وجود دعم مستمر من الإدارة والمؤسسات لتوفير الوقت والموارد للباحثين للانخراط في برامج التطوير، بدل أن يعيق العمل اليومي الروتيني فرص التعلم والتدريب.
رابعًا، يشترط التطوير الوصول إلى المصادر والمراجع العلمية الضرورية لإجراء بحوث موثقة، وهو مرتبط جزئيًا بصعوبات الحصول على الوثائق والأرشيفات التاريخية والثقافية.

ولذلك، كما قال، فإن تطوير القدرات البحثية يظل تحديًا طويل المدى، يحتاج إلى تخطيط متدرج، ودعم مالي ومؤسسي مستمر، والاستفادة من الخبرات المحلية والدولية، ليصبح المركز منصة علمية قوية قادرة على إنتاج بحوث عالية الجودة.

وهل يعتمد المركز على شبكة من الباحثين المتعاونين من خارج المؤسسة؟

أجاب بأن المركز يعتمد حاليًا، نظرًا لشح الكفاءات المتخصصة وصعوبة استقطاب الموظفين للأسباب التي ذكرها سابقًا، على نخبة مختارة من الباحثين المتعاونين من خارج المؤسسة لدعم بعض المشاريع البحثية والعلمية.

لكنه أوضح أنه على المدى الطويل يسعى المركز لأن تكون غالبية الأعمال البحثية والتنظيمية داخله عبر موظفين دائمين ومؤهلين، لأن الاعتماد المستمر على المتعاونين الخارجيين لا يحقق استدامة العمل ولا يضمن استمرارية البرامج والمشاريع.

وأضاف أن التعاون الخارجي يظل مقصورًا على الحالات الاستثنائية أو المشاريع التي تتطلب خبرات محددة، بينما يبقى بناء الكادر الداخلي المؤهل واستقراره هو الهدف الأساسي لضمان استمرارية المركز وكفاءته.

بالنظر إلى المستقبل، ما أبرز المشاريع التي يطمح المركز الليبي للدراسات الأمازيغية إلى تحقيقها خلال السنوات القادمة؟

في حديثه عن المستقبل، بدا أنه يرسم خريطة طموحات على أكثر من مدى زمني. قال إن المركز يطمح إلى تنفيذ مشاريع استراتيجية شاملة على المدى القصير والمتوسط والبعيد، تهدف إلى ترسيخ دوره كمنصة علمية وثقافية رائدة تعزز الهوية الأمازيغية وحفظ التنوع اللغوي والثقافي في ليبيا.

فعلى المدى القصير، يطمح إلى فتح فروع، وتطوير البنية التنظيمية، وإطلاق برامج بحثية ومجلات علمية، وتفعيل التواصل المجتمعي من خلال الموقع والأنشطة الثقافية.

وعلى المدى المتوسط، يسعى إلى تعزيز التطوير الأكاديمي والمعرفي، وإصدار مجلات محكمة متخصصة، ورقمنة المخطوطات، وتنظيم مسابقات بحثية، وتوسيع البرامج الإعلامية والثقافية، وبناء شراكات دولية لتعزيز حضور الثقافة الأمازيغية.

أما على المدى البعيد، فيتطلع إلى تحقيق الريادة العلمية والإقليمية، وإطلاق برامج دراسات أكاديمية مشتركة، وتأسيس متحف وطني للأمازيغية، ونشر الأدب الأمازيغي عالميًا.

كيف يمكن للمركز أن يسهم في خدمة اللغة الأمازيغية وتطوير الدراسات المرتبطة بها في ليبيا؟

قال إن المركز الليبي للدراسات الأمازيغية يمكن أن يسهم في خدمة اللغة الأمازيغية وتطوير الدراسات المرتبطة بها بعدة طرق أساسية.

أولًا، التوثيق والبحث العلمي، من خلال مشاريع توثيق اللغة والتراث الأمازيغي، ورقمنة المخطوطات، وإنشاء قواعد بيانات للمصطلحات والأسماء الجغرافية، وإعداد دراسات لغوية وتاريخية متخصصة.
ثانيًا، التعليم والتدريب، عبر إعداد مناهج تعليمية للأمازيغية، وتدريب المدرسين والباحثين الشباب، وإطلاق برامج تعليمية وورش عمل لدعم اللغة في المدارس والجامعات.
ثالثًا، النشر العلمي والثقافي، من خلال إصدار كتب ومجلات محكمة، ونشر بحوث ودراسات متخصصة، وتنظيم مسابقات أدبية وثقافية لتعزيز الإنتاج العلمي والإبداعي باللغة الأمازيغية.
رابعًا، الشراكات والتواصل، عبر التعاون مع الجامعات الليبية، والمؤسسات الحكومية، والمراكز البحثية الدولية لتبادل الخبرات، ودعم البحث العلمي، وتعزيز حضور اللغة الأمازيغية في المجتمع والمشهد الأكاديمي.
خامسًا، المجتمع والإعلام، من خلال إنتاج محتوى معرفي باللغة الأمازيغية، وتنظيم ندوات وملتقيات ثقافية، وإطلاق برامج إذاعية وتلفزيونية تهدف إلى نشر اللغة وتعزيز الوعي بها.

وبهذه الجهود، كما قال، يصبح المركز رافدًا علميًا وثقافيًا أساسيًا لدعم اللغة الأمازيغية وحماية التراث المرتبط بها، مع تطوير الدراسات الأكاديمية والمعرفية في هذا المجال داخل ليبيا.

أين ترون المركز بعد خمس سنوات من الآن؟

في الإجابة الأخيرة قبل الرسالة الختامية، عاد الدكتور إيهاب إلى النبرة الواقعية نفسها التي رافقت الحديث منذ بدايته. قال إنه بعد خمس سنوات يأملون أن يكون المركز الليبي للدراسات الأمازيغية قد حقق تقدمًا ملموسًا في عدة مجالات، رغم التحديات المستمرة.

فمن الناحية المؤسسية والتنظيمية، يتوقع أن يكون المركز قد أسس هيكلًا واضحًا وفعّالًا، مع فريق عمل دائم يغطي معظم الأقسام البحثية والإدارية، بالإضافة إلى فروع ميدانية نشطة في مناطق الأمازيغية الرئيسية.

أما من حيث البحث والنشر العلمي، فمن المتوقع أن يكون المركز قد وسع نطاق إنتاجه من الكتب والدوريات العلمية، مع تطوير برامج تدريبية للباحثين الشباب، ومشاريع توثيق للموروث اللغوي والثقافي، بما يضع قاعدة معرفية مستمرة.

وعلى مستوى الشراكات والتواصل، يمكن أن يكون المركز قد عزز علاقاته مع الجامعات الليبية والمؤسسات الحكومية، وبدأ خطوات عملية نحو التعاون الإقليمي والدولي مع مراكز الدراسات الأمازيغية.

وبشكل عام، قال إن المركز بعد خمس سنوات سيظل مؤسسة أساسية ومرجعًا مهمًا في الدراسات الأمازيغية، مع وجود تقدم ملموس في الحضور المؤسسي والبحثي والثقافي، رغم أن ذلك قد يظل محدودًا بسبب العقبات الإدارية والمالية.

أخيرًا، ما الرسالة التي تودون توجيهها للباحثين والمهتمين بالدراسات الأمازيغية في ليبيا؟

في ختام اللقاء، وجّه الدكتور إيهاب قنان رسالة واضحة إلى الباحثين والمهتمين بالدراسات الأمازيغية في ليبيا، قال فيها إن المركز الليبي للدراسات الأمازيغية هو منصتهم العلمية والثقافية، وإنه يسعى ليكون فضاءً مفتوحًا لدعم البحث والتوثيق والنشر في مجالات اللغة والثقافة والتراث الأمازيغي.

واختصر هذه الرسالة في دعوة مباشرة: اعملوا معنا، شاركوا أفكاركم، واستفيدوا من الموارد العلمية للمركز، فالتعاون الجماعي هو مفتاح تطوير الدراسات الأمازيغية في ليبيا وضمان استدامتها للأجيال القادمة.